الفاكهة المحرمة | أيمن و أخته ميليسا - حتى الجزء الثاني

محارم الفاكهة المحرمة | أيمن و أخته ميليسا - حتى الجزء الثاني

El_5dewy

الخديوي

طاقم الإدارة
مدير
المالك
الوزير
TEAM X
متزوج
السمعة: 79%
إنضم
نوف 30, 2024
المشاركات
3,580
الجزء الأول

مرحبا، أهلا وسهلا بالجميع في قصتي.

بداية، دعوني أعرفكم بنفسي: اسمي ميليسا، أبلغ من العمر أربع وعشرين سنة. تخرجت مؤخرًا من كلية الحقوق، وبدأت منذ فترة قصيرة مزاولة مهنة المحاماة.
أعيش حاليا بمفردي، بعد أن غادرت والدتي إلى قطر بسبب عملها. والحقيقة أنني، حتى لو لم تسافر، كنت قد قررت قبل ذلك أن أخرج لأعيش وحدي. ليس لأنني أكره والدتي على العكس تمامًا، فهي أقرب إنسان إلى قلبي لكنني كنت مؤمنة بأن الإنسان، عند سن معينة، يجب أن يفطم نفسه من عائلته قليلًا، وأن يتعلم الاعتماد على ذاته بشكل كامل.
كانت حياتي تمضي بهدوء وبشيء من الرتابة. أتنقل يوميًا بين المكتب وقاعات المحاكم، وأحافظ على بعض العادات التي تمنح أيامي شيئًا من التوازن: أذهب إلى التدريب مرتين أو ثلاث في الأسبوع، وأمارس السباحة مرة واحدة على الأقل، وأخرج أحيانًا مع الأصدقاء… أو بالأحرى مع صديقتي أسماء، فهي الوحيدة التي ألتقي بها باستمرار.
أما على الصعيد العاطفي، فلم أكن محظوظة كثيرًا. كانت ماما تقول دائمًا إن المرأة قد تنجح في اثنتين من ثلاث: الجمال، المال، والرجال.
وأنا بحسب رأيها حصلت على نصيبي من الجمال، ومن الناحية المادية كنت مرتاحة إلى حد كبير، لكن عندما يتعلق الأمر بالرجال، لم تكن الحظوظ في صفي. وربما… كانت تلك لعنة ورثتها عنها.
فأمي بدورها جميلة وناجحة، لكنها فشلت في زواجها من والدي.
ببساطة، حين كنت في السادسة من عمري، اكتشفت أن أبي متزوج من امرأة أخرى، وأن لديه منها طفلًا عمره عامان. بعد ذلك انهارت علاقتهما سريعًا، وانتهى الأمر بالطلاق. منذ ذلك الوقت، انغمست ماما في العمل، وكرست معظم وقتها لتربيتي والاهتمام بي.
أما أنا، فقد خضت بعض التجارب العاطفية الخفيفة: إعجاب هنا، ومواعيد هناك… لكنها كانت تنتهي دائمًا بسرعة. لم أجد الشخص المناسب، هكذا كنت أقنع نفسي على الأقل.
وفي خضم هذه الحياة التي بدت روتينية إلى حد كبير، حيث لا شيء يخرج عن المألوف، حدث ما لم يكن في الحسبان.
كنت أتولى الدفاع عن ضحية عنف في إحدى القضايا، وفجأة تلقيت تهديدًا بالقتل من صديق الجاني.
وبحكم عملي، كنت أعلم جيدًا أن مثل هذه التهديدات لا يمكن تجاهلها. لذلك سارعت فورًا إلى إيداع شكوى لدى الشرطة، لكن لسوء الحظ كان الرجل قد اختفى بالفعل وهرب قبل أن يُقبض عليه.
لا أستطيع القول إنني كنت خائفة… لكنني، في الوقت نفسه، لم أكن مرتاحة.
حكيت الأمر لماما، فجن جنونها. كادت تحجز أول طائرة عائدة إلى هنا، لكنني أقنعتها بصعوبة أن الأمر لا يستدعي كل هذا القلق.
وفي مساء ذلك اليوم نفسه، رن جرس باب شقتي.
توجهت لأفتح الباب… فإذا بي أجد أيمن واقفًا أمامي.
أيمن هو أخي غير الشقيق، ابن أبي من زوجته الثانية.
مر أكثر من عام منذ آخر مرة رأيته فيها، وقد بدا مختلفًا كثيرًا: أصبح أطول قامة، ونبتت على وجهه لحية خفيفة، وكانت رائحة السجائر تفوح من ملابسه.
بمجرد أن رأيته واقفًا عند الباب، وبيده حقيبته، أدركت فورًا سبب قدومه.
قلت له بابتسامة خفيفة: جئت لتبقى، صحيح؟
هز رأسه وقال: ليس لأبقى فقط… بل لأرافقك أينما ذهبت.
تنهدت وقلت في استسلام: آه يا ماما…
فقاطعني قائلًا: في الحقيقة… أبي هو من أرسلني.
نظرت إليه وقلت: ومن برأيك طلب منه أن يرسلك؟

علاقتي بإخوتي من أبي كانت جيدة عمومًا. وعلى فكرة، أيمن ليس الوحيد. فهو الأكبر، عمره تسعة عشر عامًا، وبعده ماريا ذات الستة عشر عامًا، وأخيرًا صهيب الذي لم يتجاوز الثانية عشرة.
لكن أيمن كان الأقرب إلي بينهم. ربما لأن فارق السن بيننا لا يتجاوز خمس سنوات، وربما لأننا كنا نلتقي كثيرًا منذ صغرنا، خاصة في بيت جدي… حيث كانت العائلة تجتمع من حين إلى آخر.

قد يعتقد بعضكم أن أيمن كان يمزح عندما قال إنه جاء ليرافقني أينما ذهبت، لكن الحقيقة أنه كان يقصد ذلك حرفيًا. لم يكن يتركني لحظة واحدة، يرافقني إلى المكتب، وإلى المحكمة، وإلى أي مكان أقصده. كان يلتصق بي كظلي، أو كحارس لا يسمح لنفسه بأن يغفل عن مهمته ولو لثانية.
ربما اللحظات القليلة التي كان يبتعد فيها عني لا تتجاوز الدقائق، حين يخرج إلى الشارع ليشعل سيجارة. ومع ذلك، حتى في تلك اللحظات القصيرة، كان يقف بعينين يقظتين يراقب كل من يمر، وكأنه يحرس رئيس دولة يخشى عليه من محاولة اغتيال.
مرت ثلاثة أيام على هذا الحال. وخلالها كنت أحاول، مرة بعد مرة، أن أقنعه بأنه لا يوجد خطر حقيقي يحيط بي، وأن ذلك الأحمق الذي أطلق التهديد لن يجرؤ على الاقتراب مني ما دامت الشرطة تبحث عنه.
وفي مساء أحد الأيام، بينما كنا في طريق العودة من المكتب، وبعد صمت طويل خيم على السيارة، طلب مني فجأة أن أتوقف.
أوقفت السيارة بعد لحظات، فصمت قليلًا ثم قال بهدوء: انطلقي من جديد.
امتثلت لطلبه، وما إن تحركت السيارة حتى قال:
سأخبرك بشيء… لكن لا تهلعي.
وما إن سمعت تلك الجملة حتى تسارعت ضربات قلبي. سألته بقلق:
ماذا هناك؟
قال وهو يحدق عبر المرآة الخلفية:
هل ترين تلك الدراجة خلفنا؟
نظرت سريعًا إلى المرآة وهززت رأسي بالإيجاب.
قال بصوت منخفض:
إنها خلفنا منذ أن خرجنا من المكتب.
نظرت مجددًا. كانت دراجة نارية صغيرة، يركبها شخصان، وكلاهما يضع خوذة على رأسه. وبحكم خبرتي في طرقات مدينتنا وعادات الناس فيها، نادرًا ما ترى شخصًا يضع الخوذة… فكيف باثنين معًا؟
شعرت بالتوتر يتسلل إلى جسدي، وبدأت يداي ترتعشان على المقود.
مد أيمن يده ووضعها فوق يدي، وقال بصوت هادئ ثابت:
لا تسرعي… حتى لا يدركوا أننا اكتشفنا الأمر.
ابتلعت ريقي بصعوبة. لم أكن أعرف ماذا يجب أن أفعل.
أكمل قائلًا:
عندما نقترب من أول حاجز للشرطة، سنتوقف ونخبرهم.
قلت بقلق:
وماذا لو هاجمونا قبل أن نصل إلى الحاجز؟
أجاب بهدوء:
أظن أنهم ينتظرون أن نذهب إلى مكان معزول… أو أن ننزل من السيارة.
واصلت القيادة بالوتيرة نفسها، محاولة ألا أظهر أي ارتباك قد يلفت انتباههم. وعندما اقتربنا من حاجز الشرطة، توقفت وأخبرناهم بما يحدث.
لكن الرجلين على الدراجة كانا قد أدركا الأمر قبل أن يصلوا إلينا. توقفا على مسافة بعيدة قليلًا، وحين رأونا نتحدث مع الشرطة… استدارا فجأة، ثم انطلقا مسرعين واختفيا في الشارع.

منذ تلك اللحظة أصبح الأمر أكثر جدية. لم يعد مجرد تهديد عابر، بل بدا كأنه رغبة حقيقية في الانتقام. ولهذا تغير إحساسي بوجود أيمن إلى جواري، بعد أن كان يضايقني في البداية، صار أكثر ما يمنحني شعورًا بالراحة والأمان، خصوصًا أنه كان يأخذ تلك التهديدات على محمل الجد.
وربما… كان يأخذها بجدية أكثر مما ينبغي.
فقد لاحظت ذات يوم أنه أحضر معه إلى البيت عصا غولف، ولم تمض ساعات حتى اكتشفت أن بحوزته أيضًا سكينًا. عندها انفجرت فيه قائلة:
هل تعلم ما العقوبة إذا وجد معك سكين؟
رد بهدوء:
لا يمكننا أن نتجول كفرائس دون أن نحمل شيئًا ندافع به عن أنفسنا.
أخذت السكين من يده دون أن أدخل معه في نقاش طويل. فنحن، حرفيًا، أخ وأخت… لكننا قادمون من عالمين مختلفين تمامًا، بعقليتين لا تكادان تتشابهان في شيء.
ولم يكن الاختلاف في التفكير فقط، بل حتى في العادات اليومية.
بينما كنت أحرص على طعام صحي ونظام متوازن، كان هو مدمنًا على الوجبات السريعة. وبينما أعشق النظام والترتيب، كان أشبه بإعصار يمر بالمكان ثم يتركه خلفه في فوضى عارمة.
الغرفة التي خصصتها له في بيتي تحولت خلال أيام قليلة إلى ما يشبه المزبلة: علب بيتزا فارغة، أعقاب سجائر متناثرة، ورائحة دخان لا تخطئها الأنف.
عندها أدركت أن علي أن أمارس دوري كأخت كبرى.
أجبرته على جمع تلك العلب ورميها وتنظيف الغرفة، بينما وعدته في المقابل أن أطبخ العشاء.
نظر إلي بشك وقال: أنت… ستطبخين؟
هززت رأسي بثقة: طبعًا.
ابتسم بسخرية وقال: دعينا نطلب بيتزا كالعادة… سيكون ذلك أفضل.
استفزتني طريقته، وكأنه يستصغر قدرتي على الطبخ. دخلت غرفتي، ارتديت عباءتي، ثم توجهت مباشرة إلى المطبخ.
وبينما كنت منشغلة بإعداد الطعام، دخل أيمن خلفي وبدأ يساعدني.
تحولت المساعدة سريعًا إلى دردشة، ثم إلى مزاح وضحك، حتى امتلأ المطبخ بجو خفيف لم أشعر به منذ مدة.
وفجأة… ومن دون أي مقدمات، سكت أيمن للحظات.
نظر إلي نظرة طويلة، ثم قال بهدوء: أنت جميلة.
تجمدت مكاني. كانت كلماته مفاجئة إلى درجة أربكتني، وشعرت بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجهي.
ولعله شعر بذلك، فسارع يبرر كلامه قائلًا إنه كان يعتقد دائمًا أن الفتيات الجميلات لا يعرفن الطبخ.
جلسنا بعد ذلك إلى طاولة العشاء. وبعد أن مدح الطعام وكأنه يكتب فيه قصيدة طويلة، نظر إلي فجأة وسأل: هل هناك شخص في حياتك؟
ارتبكت وقلت: ما هذا السؤال؟
قال وهو يبتسم: جميلة، عيون ملونة، شعر اصفر، متعلمة، محامية ناجحة… وطبخك لذيذ. أنت تقريبًا الزوجة المثالية التي يحلم بها كل رجل.
نظرت إليه بشك وقلت: هل تحاول أن تسحب الكلام مني؟
هز رأسه مبتسمًا ابتسامة ماكرة.
قلت بحزم: لن أخبرك.
قال فورًا: يعني هناك شخص.
نظرت إليه قليلًا ثم سألته: هل ستكون سعيدًا إن كان هناك رجل في حياتي؟
سكت لحظة قبل أن يجيب: سيكون الأمر مزعجًا… فأنت أختي الكبرى. لكنني أفهم أن هذا شيء طبيعي، وأن الإنسان يحتاج إلى شريك في حياته. لذلك لن أكون سعيدًا… لكنني سأكون متفهمًا.
نظرت إليه بإعجاب وقلت ممازحة: يا لها من حكمة! ابن الحي الشعبي أصبح متفهمًا الآن.
نظر إلي بجدية وقال: لا يعني أنك تستطيعين التهاون والخروج مع رجل أمامي.
ابتسمت وقلت: بالطبع… فهذا سيجرح كبرياء ابن الحي الشعبي.
هز رأسه وقال بنبرة نصف جادة ونصف مازحة: ليس فقط لهذا السبب… بل حتى لا يجرح ابن الحي الشعبي زوجك المستقبلي. لذلك الأفضل أن لا يخرج أمامي… إلا يوم زفافك.

في اليوم الموالي كان لدي موعد مع أسماء. كنا سنلتقي في أحد المقاهي التي اعتدنا الجلوس فيها. كنت أنتظرها هناك، وكان أيمن معي كعادته.
وبينما كنا نجلس، تلقى اتصالًا هاتفيًا. لم أسمع ما قيل في الطرف الآخر، لكنني لاحظت أن ملامحه تغيّرت فجأة. وبعد دقائق قليلة، وما إن وصلت أسماء وجلست معنا، حتى أخبرني أنه سيغادر قليلًا وسيعود بعد وقت قصير، وطلب مني أن أبقى في المقهى حتى يعود.
لم أهتم كثيرًا بمغادرته، بل على العكس، شعرت بأنني سأكون أكثر راحة مع أسماء في غيابه.
لكن أسماء نفسها كانت مصدومة من رؤيته. قالت لي بصراحة إنها كانت تتخيل، من خلال حديثي عنه، طفلًا صغيرًا عندما كنت أصفه بالأخ الأصغر. أما عندما رأته بذلك الطول والصوت الخشن، فقد فوجئت تمامًا. ولم تخف إعجابها بوسامته، حتى إنها وصفته مازحة بأنه يشبه البرازيليين بسبب بشرته السمراء.
غادرت أسماء بعد مدة، لكن أيمن تأخر في العودة. وعندما ظهر أخيرًا، لاحظت فورًا كدمة صغيرة على شفته العليا.
سألته: ماذا حدث؟
قال باقتضاب: اصطدمت بشجرة.
نظرت إليه بإصرار، فتنهد وقال أخيرًا: تشاجرت.
قلت بقلق: مع من؟ ولماذا؟
رد بهدوء: مع بعض أبناء الحي… لأنهم تعرضوا لصهيب. وأنا لا أسمح لأحد أن يقترب من إخوتي.
ابتسمت قليلًا وسألته: وأنا معهم؟
لم يلتفت إلي، واكتفى بالقول: أنت أهم منهم.
نظرت إليه باستغراب وسألته: ولماذا أنا أهم؟
التفت إلي أخيرًا وقال ببساطة: لا أعلم… إنها مشاعر.
كانت كلماته ونظرته دافئتين بطريقة غريبة. شعرت بشيء يتسلل إلى داخلي دون أن أفهمه تمامًا. وفي طريق العودة، وجدت نفسي أمسك بيده وأتعلق بها كطفلة صغيرة، ربما لأن فارق الطول بيننا كان واضحًا، فأنا لا يتجاوز طولي مئة واثنين وستين سنتيمترًا، بينما يصل طوله إلى مئة وسبعة وثمانين.
عندما عدنا إلى البيت، طلبنا الطعام كعادتنا. اختار هو بيتزا، بينما طلبت أنا وجبة صحية. وبينما كنا ننتظر وصول الطلب، دخل أيمن ليأخذ حمامًا.
وصلت الطلبات بعد قليل، وكنت أرتبها على الطاولة عندما دخل أيمن إلى المطبخ. كان عاري الصدر تقريبًا، لا يرتدي سوى شورت، وشعره لا يزال مبللًا بالماء.
تفاجأت بمظهره. كان جسده ممشوقًا، وكتفاه عريضتين، وقامته طويلة، وعيناه العسليتان تلمعان تحت خصلات شعره المبللة. للحظة شعرت برفرفة في بطني..
سألني: ماذا طلبت؟
قلت: كالعادة… بيتزا لك، وطعام صحي لي.
هز رأسه مبتسمًا: يبدو أنك أصبحت تعرفين ذوقي جيدًا.
قلت بنبرة جادة: عليك أن تقلل من البيتزا والوجبات السريعة.
نظر إلي باستغراب وسأل: ولماذا؟
قلت: لأنها غير صحية.
وقف أمامي فجأة، وبشيء من الغرور بدأ يستعرض بنيته قائلاً: هل يبدو لك هذا جسد غير صحي؟
ثم شد عضلات بطنه مازحًا، وكأنه يتباهى بها.
أبعدت نظري وقلت وأنا أحاول التمسك بدوري كأخت: لماذا خرجت هكذا وشعرك مبلل؟ قد تمرض.
قال ببساطة: لن يحدث شيء.
أخذت المنشفة من يده وبدأت أحاول تجفيف شعره. لكنه كان أطول مني بكثير، حتى إنني اضطررت للوقوف على أطراف أصابعي، ومع ذلك كان الوصول إلى رأسه صعبًا.
وفي لحظة فقدت توازني قليلًا، فاصطدمت به. التصق جسدي بجسده للحظة قصيرة، وشعرت بحرارة جسده.
أمسكني أيمن كي لا أسقط، ولف ذراعه حولي بحركة عفوية، كأنه يريد أن يثبتني في مكاني.
تراجعت بسرعة، محاولة أن أستعيد هدوئي، بينما كان شيء ما بداخلي قد اضطرب فجأة.
تعشينا بعد ذلك بصمت نسبي، ثم ذهب كل منا إلى غرفته.
لكنني، تلك الليلة، شعرت أن شيئًا في داخلي قد تزعزع… وكأن لحظة عابرة كشفت لي عن شعور لم أكن مستعدة لمواجهته.

ذلك الشعور الذي داهمني في الليلة الماضية لم يكن عابرًا… بل ترك في داخلي شيئًا يشبه وخز الضمير. شعرت باضطراب لم أعتده، وبنوع من الغضب الصامت غضب لم أجد له تفسيرًا واضحًا، إلا أنني، بطريقة ما، حملت أيمن مسؤوليته. وقررت، بدافع غامض، أن أرد له هذا الاضطراب… أن أُربك توازنه كما أربك توازني.
في اليوم الموالي، وبعد انتهاء العمل، جاءت أسماء لزيارتي في البيت. وما إن دخلت، حتى أخبرنا أيمن أنه سيخرج.
سألته: إلى أين؟
نظر إلي نظرة طويلة من أسفل إلى أعلى، ثم قال بنبرة خفيفة فيها شيء من التحدي: حتى أمي لا تسألني هذا السؤال.
شعرت بالحرج، ولم أرد أن يبدو أنني أهتم بتفاصيله أكثر مما ينبغي، فقلت بسرعة: لا يهمني أين تذهب… فقط لا تتأخر، لا أريد أن أبقى وحدي بعد أن تغادر أسماء.
ابتسم ابتسامة جانبية وقال: إذا تعترفين أن وجودي يجعلك تشعرين بالأمان؟
لم أجد ما أرد به، خصوصا أن نظرته كانت تحمل شيئًا يصعب تفسيره. فاكتفيت بدفعه نحو الباب وإغلاقه.
وما إن التفت، حتى وجدت أسماء تنظر إلي بابتسامة خفيفة، وكأنها التقطت شيئًا لم أرد أنا رؤيته.
قلت لها: ماذا؟
قالت بهدوء: ميليسا التي أعرفها كانت تعشق الاستقلالية… لدرجة أنها خططت لترك بيت أمها لتعيش وحدها. لكني أراك الآن… تتأقلمين مع وجود أيمن بشكل لافت.
أجبت بسرعة: ليس تأقلمًا… أنا فقط بحاجة إليه. طالما ذلك الشخص الذي هددني لم يقبض عليه بعد، سأظل بحاجة لأيمن. هذا تعايش… لا أكثر.
تنهدت وقالت : حتى أنا أقول إنه تعايش مع إخوتي… لكنني لا أستطيع العيش دونهم.
صمت للحظة.
تسلل إلى داخلي سؤال لم أكن مستعدة لمواجهته:
ماذا سيحدث عندما يقبض على ذلك الرجل؟
هل سيعود أيمن إلى حياته… وأعود أنا إلى وحدتي؟
قطعت أسماء أفكاري قائلة: أين شردت؟
أجبت بسرعة، وكأنني أدافع عن نفسي: على عكسك، أستطيع العيش وحدي. بل ربما سأكون أكثر راحة… على الأقل لن تمتلئ غرفته بعلب البيتزا ولا برائحة السجائر.
ابتسمت وقالت بخبث لطيف: لكنها ستبقى غرفته… حتى لو كان مجرد ضيف.
لم أفهم لماذا أصبح أيمن محور حديثنا بهذا الشكل.
هل شعرت أسماء بشيء؟ أم أن ما أشعر به أنا… شيء عابر يمر به الجميع دون أن يجرؤوا على تسميته؟
كتمت السؤال في داخلي.
بعد مغادرة أسماء بدقائق، عاد أيمن.
وبدون تردد، بدأت بهدوء تنفيذ خطتي الصغيرة.
طلبت منه أن يطلب لنا الطعام، بينما دخلت أنا لأستحم. كنت معتادة على الماء الساخن، لكن تلك الأفكار التي تدور في رأسي جعلتني أبحث عن البرودة، كأنني أحاول إطفاء شيء مشتعل في داخلي.
خرجت بعد ذلك، و ذهبت الى غرفتي وقفت امام المرآة اطيل النظر، لا كمن يرى انعكاسه، بل كمن يكتشفه لاول مرة
كانت ملامحي تحدثني بهدوء مربك، كانها تعرف عني اكثر مما اعرف
بشرتي البيضاء تلتقط الضوء برقة، فتعيده بنعومة تشبه الهمس، وجسدي يتشكل في خطوط متناسقة، رشيق في امتداده، ممتلئ حيث ينبغي للانوثة ان تكتمل دون اعتذار. خصري ينحني بانسياب يكاد يكون مقصودا، كأنه خلق ليقود النظر لا ليخفيه، فيما تتصل به افخاذ مشدودة، منحوتة بدقة صامتة، توحي بالقوة بقدر ما توحي بالنعومة
اما خلفي، فكان الامتلاء فيه حاضرا بجرأة هادئة، لا يستعرض نفسه، لكنه لا ينكر وجوده… حضور يشعرني بثقل جميل، كأن الجسد يعرف تماما كيف يفرض ايقاعه
رفعت يدي الى شعري، ذلك الاصفر الحريري الذي يلامس كتفي بخفة، وقد قصصته حديثا، فصار اكثر تحررا، اكثر انسجاما مع وجهي… مع عينين خضراوين، واسعتين، تحملان شيئا من البراءة، وشيئا اخر لا يقال بسهولة

كنت الماء البارد قد جعلني ارتد عن فكرتي في الانتقام من أيمن و لكن تلك اللحظات التي تأملت فيها نفسي في المرآة، جددت الرغبة في قلبي فرحت الف منشفة حول جسدي، وتوجهت إلى المطبخ. كان يجلس هناك، منشغلًا بهاتفه.
سألته: هل وصل الطعام؟
رفع نظره نحوي… وتجمد لثوان. حتى هاتفه كاد يسقط من يده.
ظل ينظر إلي بصمت، وكأنه يراني لأول مرة.
شعرت بشيء من الارتباك… ممزوج بإحساس خفي بالانتصار.
قلت بخفة: ما بك؟ هل فقدت القدرة على الكلام؟
هز رأسه قليلًا وكأنه يستعيد وعيه: نعم… وصل.
قلت: سأذهب لأرتدي شيئًا وأعود.
لكنني سمعت خطواته خلفي، ثم صوته: هل يمكنني أن أساعد؟
التفت وقلت باستغراب: تساعدني في ماذا؟ سأرتدي ملابسي فقط.
قال بهدوء: بالأمس جففت شعرك… وأود أن أفعل ذلك مجددًا.
ترددت لحظة… ثم قلت: حسنًا… تعال.
دخلنا غرفتي. سمعته يقول بصوت منخفض: غرفتك رائحتها جميلة.
سألته: هل هذه أول مرة تدخلها؟
هز رأسه: لم تسمحي لي من قبل… ولا أحب أن أدخل مكانًا خاصًا دون إذن.
ابتسمت وقلت: يبدو أنك أكثر تهذيبًا مما توقعت… خاصة لشاب نشأ في حي شعبي.
ضحك وقال: هل تتذكرين القطة البيضاء في “توم وجيري”؟
قلت: تلك التي تعشق نفسها؟
قال بحماس: أنت تشبهينها.
ضحكت وقلت: ما أوجه الشبه بيننا ؟
رد : تلك القطة تجسد الأنوثة الجمال و الأناقة .. مثلك تماما.
انطلقت الفرشات في بطني من جديد و ابتسمت و قلت : لا يمكنني مجاملتك بنفس الطريقة… فأنت أقرب لقط شوارع.
انفجر ضاحكًا: هذا ما أعنيه ! أنا القط الأسود في القصة.
ضحكنا معًا، وخف التوتر الذي كان يملأ الجو.
جلس خلفي وبدأ يجفف شعري بهدوء… لكنني، في داخلي، لم أنس خطتي.
اخترت ملابس بسيطة: بيجاما قطنية بلون هادئ، مريحة دون مبالغة.
نظرت إلى نفسي في المرآة لحظة… ثم خرجت.
كان ينتظر في المطبخ، وبمجرد أن رآني، عادت تلك النظرة الصامتة.
جلست أمامه وقلت: أين طعامي؟
ناولني علبة وقال: هذا لك اليوم.
نظرت إليه باستغراب: برغر؟
قال وهو يتجنب النظر إلي: حتى أصحاب النظام الصحي يحتاجون يومًا يخرجون فيه عن القاعدة.
تناولت الطعام وأنا أشعر بمزيج من الضيق والفضول. لم أحصل على رد الفعل الذي كنت أتوقعه… رغم أنني كنت متأكدة أنني أربكته.
وما إن انتهينا، حتى وقف فجأة، أمسك بيدي، وقال: ما رأيك أن نشاهد فيلمًا معًا؟
لم أستطع منع تلك الابتسامة الصغيرة من الظهور.
شعرت… أنه لم يكتف بعد. وكأن وجودي بجانبه لم يعد مجرد صدفة… بل شيء يبحث عنه، حتى لو لم يعترف بذلك.
قلت له: موافقة… لكن بشرط أن تحضر لنا بعض الفشار.
هز رأسه بسرعة، وكأنه كان ينتظر موافقتي فقط.
سبقته إلى الصالون، وبدأت أبحث عن فيلم مناسب، بينما دخل بعد لحظات يحمل علبتي فشار. جلس بجانبي… بل التصق بي، رغم أن الأريكة كانت تتسع لنا بسهولة.
سألته: هل لديك اقتراح لفيلم؟
قال ببساطة: سأشاهد أي شيء.
انشغلت بالبحث، وفجأة شعرت به يغير جلسته… ثم وضع رأسه على فخذي.
توقفت أنفاسي للحظة. كان الإحساس غريبًا ومباغتًا، خاصة مع قربه الشديد. حاولت أن أتماسك، أن أبدو طبيعية، وسألته: ماذا تفعل؟
أجاب بهدوء: هكذا… أكثر راحة.
ابتلعت كلماتي. بالنسبة له قد يكون الأمر عاديًا… أما بالنسبة لي، فكان كل شيء يضطرب في داخلي ..
اخترت فيلمًا بسرعة، محاولة أن أهرب من تلك اللحظة إلى أي شيء آخر. أردت أن أنشغل، أن أُسكت ذلك الصوت الداخلي الذي بدأ يهمس بشيء لا أريد فهمه.
ساد الصمت، وانطفأت الأنوار، ولم يعد يسمع إلا صوت الفيلم… ثم صوته هو: هل يمكنك أن تمرري يدك على شعري؟
لا أعلم لماذا لم أرفض. ربما لأنني لم أرد كسر تلك اللحظة، أو ربما لأنني كنت أتهرب من مواجهة نفسي. مددت يدي وبدأت أعبث بخصلات شعره بهدوء.
لكن الهدوء لم يدم.
شعرت بحركته تتغير، بقربه يزداد، بشيء غير مألوف يتسلل إلى تلك المسافة الصغيرة بيننا. توترت، وتغير إيقاع أنفاسي.
قلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتًا: أيمن… ماذا تفعل؟
رفع رأسه ببطء، ونظر إلي. كانت نظرته مختلفة… حادة، عميقة، وكأنها تحمل شيئًا لم أره من قبل.
اقترب أكثر.
وفي لحظة اختلط فيها التردد بالاندفاع، لم أعد أميز ما يحدث بوضوح. شعرت بأن المسافة بيننا تلاشت، وأن أنفاسه أصبحت قريبة بشكل أربكني.
ثم فجأة… استعدت وعيي.
دفعته بقوة وصرخت: هل جننت؟ ماذا تفعل؟!
تجمد مكانه، وكأن صرختي أعادته هو أيضا إلى نفسه. نظر إليّ بارتباك واضح، وبدأ يعتذر دون أن يجد كلمات كافية.
لم أستطع البقاء.
هربت إلى غرفتي وأغلقت الباب خلفي.
أسندت ظهري إلى الباب، أحاول أن أستعيد أنفاسي. كان قلبي يخفق بعنف، كأنني ركضت مسافة طويلة دون توقف. جسدي كله متوتر… ودافئ بشكل غريب.
وضعت يدي على صدري، أهدئ نفسي… لكن شيئًا آخر كان يربكني أكثر.
لماذا… لم أكن غاضبة كما يجب؟
لماذا كان داخلي خليط من الارتباك… وشيء آخر لا أريد الاعتراف به؟
جلست على سريري، أسترجع ما حدث، أحاول أن أعيد ترتيب أفكاري… لكن الحقيقة كانت واضحة ومزعجة في آن واحد:
لم يعد الأمر بسيط كما كان.
ولم أعد أنا… كما كنت.
في صباح اليوم الموالي، استيقظت على صوت الجرس يقرع بإلحاح. قفزت من سريري مذعورة، وفي اللحظة نفسها وجدت أيمن قد استيقظ هو أيضًا، متجهًا نحو الباب وهو يحمل عصا بيسبول بيده.
وقف عند الباب بحذر، ألقى نظرة سريعة من خلال الفتحة، ثم التفت نحوي… وكانت ملامح الخيبة واضحة على وجهه.
سألته بقلق: من هناك؟
لم يجب، بل فتح الباب.
وفي لحظة، دخلت ماما، تحمل حقائبها، وتقدمت نحوي بسرعة لتعانقني بقوة.
بقيت واقفة في مكاني، مصدومة، عاجزة عن استيعاب ما يحدث.
تمتمت: متى… كيف… ولماذا أتيت؟
ابتعدت قليلًا، ونظرت إلي بعينين يملؤهما القلق، ثم قالت: هل يعقل أن أبقى بعيدة عنك وأنت في هذه الحالة؟
رفعت بصري نحو أيمن.
كان واقفًا بصمت، وعيناه تحملان شيئًا يشبه الخيبة… أو ربما أكثر من ذلك.
ولسبب لم أرد الاعتراف به، شعرت أنني… أشاركه الإحساس نفسه.

بمجرد عودتها، قررت ماما أن تستعيد سيطرتها علي من جديد.
أخبرت أيمن، بلهجة لا تحتمل النقاش، أنه يستطيع العودة إلى بيتهم، ثم أعلنت قرارها بالبقاء معي إلى أن يتم القبض على ذلك الهارب.
كنت أتفهم خوفها علي… وأتفهم أيضا عدم ارتياحها لأيمن وبقية أبناء أبي. لكن ما لم أستطع تقبله هو عودتها لفرض وصايتها علي، وكأنني ما زلت تلك الطفلة الصغيرة. لقد تذوقت طعم الاستقلال، ولم أكن مستعدة للعودة إلى القفص من جديد.
ومع ذلك… كانت أمي.
ورغم صرامتها، كانت دائمًا سندي الوحيد، رفيقة دربي، وأنا بدوري كنت سندها وقلبها كما تحب أن تناديني. لذلك، لم يكن التمرد خيارًا مباشرًا.
وإن لم يكن التمرد ممكنًا… فالحيلة كانت خياري الوحيد.
تحولت ماما إلى مرافقتي الدائمة، توصلني صباحًا إلى المكتب، وتعود مساء لتأخذني إلى البيت، أو إلى النادي، أو إلى أي مكان أريده. أصبحت، بطريقة ما، ظلي الجديد.
في اليوم الثاني بعد مغادرة أيمن، جاء إلى مكتبي يحمل علبة صغيرة.
بمجرد أن رأيته، شعرت برغبة مفاجئة في أن أركض نحوه وأعانقه… لكنني تمالكت نفسي، وقررت أن أتمسك بدور “الغاضبة”، خاصة بعد ما حدث في المرة الأخيرة.
دخل بابتسامة وقال: انظري ماذا أحضرت لك.
وضع العلبة أمامي، وطلب مني أن أفتحها. شعرت بحركة خفيفة بداخلها، فسألته بتوجس: هل هو شيء مخيف؟
هز كتفيه وقال: لا أظن.
فتحتها… فإذا بقطين صغيرين، أحدهما أبيض والآخر بني. كانا في غاية اللطف، يحدقان بي بعيون واسعة ويصدران أصواتًا خافتة.
رفعت نظري إليه، وعيناي تكادان تدمعان.
قال بابتسامة: سميتهما… لكن يمكنك تغيير الأسماء إن لم تعجبك.
قلت: ما هي الأسماء؟
قال: البيضاء أنثى، سميتها “تودلز”، والآخر ذكر سميته “بوتش”… مثل شخصيات توم وجيري.
ابتسمت وقلت: لكن هذا بني، وليس أسود.
قال: يقولون إن اللون البني نادر… ثم إنهما شقيقان، ولم أرد أن أفرقهما.
فكرت قليلًا ثم قلت: حسنًا، سأغير اسم البني… سأدعوه “الوحش”.
ابتسم وقال: إذا سأغير اسم البيضاء إلى “باربي”.
ضحكنا، وتحدثنا قليلًا، ثم أخبرني أنه مهدد بالطرد من الجامعة بسبب غيابه لأكثر من أسبوعين.
وعندما غادر، لم ينس أن يوصيني قائلًا: اعتني بباربي والوحش.
في المساء، عادت ماما… وما إن رأت القطط حتى كادت تفقد أعصابها. كانت تكره الحيوانات، ولم يعجبها أن أقرر تربيتها في بيتي. لكنني هذه المرة لم أهتم برأيها. هذا بيتي، ومن حقي أن أقرر ما يحدث فيه.
بل وأجبرتها على أن ترافقني بنفسها إلى الطبيب البيطري.
وفي الطريق، طلبت منها أن تتواصل مع صديقتها الطبيبة لتكتب تقريرًا طبيًا لأيمن، يبرر غيابه عن الجامعة. رفضت في البداية، وذكرتني بأن هذا أمر غير قانوني… لكنني أصررت، وذكرتها بأنه ضحى بدراسته ليبقى بجانبي.
وعندما عدنا إلى المنزل، التقطت صورًا لباربي والوحش، وأرسلتها له، وطلبت منه أن يمر في الغد ليأخذ الوثيقة.
في تلك الليلة، وقبل أن أنام، راودتني فكرة.
هل تعتقد ماما حقًا أنها قادرة على حمايتي؟
وماذا لو أدركت… أنها لا تستطيع؟
خطرت لي فكرة أن أصرخ في الليل وأوهمها بأنني رأيت شخصًا في الشرفة… لكنني تراجعت. كانت ستأخذني فورًا إلى بيتنا القديم، وأنا لا أريد مغادرة شقتي.
لذلك، أجلت خطتي إلى اليوم التالي.
بعد أن أوصلتني إلى المكتب وغادرت، انتظرت عشر دقائق… ثم اتصلت بها، وأنا أبكي.
ردت بقلق: ماذا حدث؟
قلت بصوت مرتجف: جاءوا إلى المكتب… حاولوا الدخول بالقوة.
عادت مسرعة، وجلست بجانبي تحاول تهدئتي، بينما كنت أؤدي دوري بإتقان… دموعي تنهمر، وصوتي يرتجف.
رأيت الخوف في عينيها… ليس علي فقط، بل من كل ما قد يحدث.
وفي النهاية، لم تجد حلًا سوى أن تتصل بأبي، وتطلب منه أن يرسل أيمن ليبقى معنا.
وهكذا… نجحت خطوتي الأولى.
عاد أيمن، وعادت معه تلك المشاعر المربكة نظرات عابرة، لمحات خفية، همسات قصيرة، ولمسات بالكاد تذكر… لكنها كانت كافية لتشعل شيئًا في الداخل.
لكن هذه المرة، لم يكن هناك مجال للمبالغة…
فماما كانت هنا.
لم أكن أجد الخطة المناسبة لإبعاد ماما، ولم أكن أرغب في أن يستمر الوضع على هذا النحو، خاصة أنني بدأت أدرك بوضوح متزايد ما يحمله أيمن في نظرته، وفي صمته، وفي قربه الذي لم يعد بريئًا تمامًا.
في مساء اليوم الموالي، وبينما كان من المفترض أن نعود مباشرة إلى البيت، فاجأني حين أمسك مقود السيارة وانحرف بنا نحو طريق آخر… طريقٍ يقود إلى الطبيعة، إلى الجبال البعيدة حيث يهدأ كل شيء.
توقف في مكان منعزل، ثم نزل وفتح صندوق السيارة، وبدأ يُخرج ما بدا وكأنه عالم صغير أعده مسبقًا: بساط فرشه على الأرض، علب طعام، مشروبات، وحتى إضاءة خفيفة أعطت للمكان روح دافئة.
وقفت أراقبه وهو يهيئ كل شيء، وقلت بدهشة: متى خططت لكل هذا؟
أجاب ببساطة: البارحة.
قلت وأنا أبتسم: وكيف لم أنتبه؟
هز كتفيه وقال: لا أعلم… لكن، هل أعجبك؟
نظرت حولي، إلى تفاصيل المكان، إلى عنايته بكل شيء، وقلت بصوت صادق: كثيرًا.
ابتسم، ثم قال مازحًا: لكن لا يوجد طعام صحي.
رفعت حاجبي وسألته: هل يوجد برغر؟
هز رأسه بالإيجاب.
قلت: إذًا سأأخذ واحدًا.
انفجر ضاحكًا وقال: يبدو أنني أفسدك.
قلت بخفة: في المرة القادمة… ربما أبدأ بالتدخين.
زاد ضحكه، وكأن اللحظة كلها خلقت لتكون خفيفة، بعيدة عن كل التوتر الذي كنا نحمله.
لكن الشمس غربت سريعًا، وفرضت علينا العودة.
عند السيارة، فتح لي الباب. اقتربت لأركب، لكنه اقترب أكثر… تلك المرة، لم يكن في عينيه مزاح. كان هناك شيء آخر، أكثر وضوحًا.
حاول أن يقترب مني أكثر، كأنما يريد أن يختصر كل المسافات بيننا.
اقتربت أنا أيضًا… وضعت يدي على رأسه، قربته مني، حتى كاد يظن أنني أستجيب له. أغمض عينيه، واستسلم للحظة…
وفي اللحظة نفسها، دفعته برفق بعيدًا، وجلست في مكاني داخل السيارة.
توقفت للحظة أنظر إليه.
كانت خيبة الأمل واضحة في عينيه… مزيج من الرغبة المكبوتة والارتباك. لم يستطع أن يعترض، ولم يستطع أن يخفي ما يشعر به.
ولا أدري لماذا… لكن تلك النظرة كانت، بطريقة ما، مصدر متعتي الخفية.
عندما وصلنا إلى البيت، وقبل أن ننزل من السيارة، نظر إلي وقال بنبرة يغلب عليها الفضول: هل… كان هذا موعدًا بيننا؟
هززت رأسي نافية.
فتح الباب وهو يتمتم بشيء من التذمر: حقا كيف يكون موعدا من دون قبلة…
دفعت الباب وقلت وأنا أبتسم بخفة: ولا يوجد موعد بدون ورود… يا غبي.
دخلت البيت، واتجهت مباشرة إلى الحمام. تركت الماء البارد ينساب على جسدي، أحاول به إخماد حرارة لم تكن من الخارج… بل من شيء يتوهج في الداخل، يرفض أن يهدأ.
ارتديت نفس البيجاما الوردية… تلك التي لمح أيمن يومًا أنها تليق بي أكثر مما ينبغي.
ثم ارتميت على السرير، أتنفس ببطء، أستشعر ارتباكي… وأنوثتي التي بدت لي فجأة وكأنها كيان مستقل، له إرادته الخاصة.
وفجأة… تسلل ذلك الهمس.
فكرة بسيطة، لكنها كافية لإشعال كل شيء من جديد:
اذهبي وانظري… ماذا يفعل الآن؟
نهضت بهدوء، أمشي على أطراف أصابعي، حريصة ألا تلتقط ماما أي صوت.
طرقت بابه طرقًا خفيفًا، ثم فتحته دون انتظار.
كان يجلس في الشرفة، غارقا في العتمة، لا يضيء وجهه إلا ضوءٌ خافت يتسرب من الشارع.
ما إن رآني حتى رمى سيجارته، ودخل مسرعًا نحوي.
اقترب، وفي صوته حماس لا يخفى: ماذا حدث؟… هل جئت لتعطيني قبلتي أخيرًا؟
رفعت ذقني قليلًا، وقلت بنبرة متعالية: جئت فقط لأذكرك… أنك لن تحصل عليها أبدا.
اقترب أكثر، حتى لم يعد بيننا مسافة تذكر، ثم لف ذراعه حول خصري، مثبتًا جسدي بجسده.
تجمدت للحظة، قبل أن أقول بحدة: يبدو أنك بدأت تتجرأ… هل نسيت من أكون.. أنا أختك الكبرى؟
ابتسم بخفوت، وقال: أحيانًا… أنسى من أكون أنا، عندما أراك.
تلك الجملة… أربكتني.
ورغم أنني حاولت التماسك، خانتني ابتسامة صغيرة… كانت كإشارة خضراء في نظره.
في لحظة، وجدت نفسي على السرير، وهو فوقي، ينظر إلي بعينين لم أرهما بهذا الوضوح من قبل.
أمسكت رأسه، وقلت بسرعة: لا… ماما هنا.
قال بهدوء: هي نائمة.
همست: أنا أختك لا تنس ذلك…
تنهد، وكأنه يصارع شيئًا داخله، ثم قال: وماذا أفعل بكل هذه النار؟
ابتسمت بخفة، وقلت: ماما كانت تقول لي دائمًا… لا تقتربي من رجل لا يفقد عقله لرؤيتك، ولا تبقي مع رجل لا يستطيع أن يتحكم في نفسه.
نظر إلي باستغراب: وماذا يعني ذلك؟
قلت وأنا أحدق فيه: يعني… أن تتحكم بنفسك.
سقط على السرير بجانبي، وسأل بنبرة نصف ضاحكة، نصف متعبة: إلى متى؟
هززت كتفي: لا أعلم…
هممت بالمغادرة، لكنه أمسك يدي. وماذا عنك أنت؟
التفتّ إليه: ماذا عني؟
قال بنظرة عميقة: هل هناك… نار بداخلك أيضًا؟
ابتسمت، وقلت بهدوء صادق: ماذا تظن… الذي جعلني آتي إلى هنا؟
تغيرت نظرته.
شدني نحوه مرة أخرى، لكن هذه المرة كان في صوته شيء مختلف، أكثر عمقًا: أنا… لم يعلمني أحد كيف أتحكم في هذا. لكني أعرف شيئًا واحدًا…
توقف لحظة، ثم أكمل بنبرة منخفضة: لن أفعل شيئًا… إلا إذا أردت أنت.
توقف الزمن للحظة بيننا.
لم تكن المسافة بيننا كبيرة… لكن القرار، هذه المرة، كان أثقل من أي مسافة.
وبين ترددي… وصمته…
انفلت الشورت من بين أصابعي، وانزلق ببطء كأنه يستجيب لرغبته، قبل أن يدفعني أيمن برفق حازم نحو السرير. لم يكتف بذلك، بل همس لي أن أرفع خصري قليلًا، فاستجبت، لأشعر بيديه تنزع عني الكيلوت آخر ما يفصلني عن ارتباكي العاري.
ارتمى عند حافة السرير، على ركبتيه، ورفع ساقي فوق كتفيه العريضتين، كأنهما ملاذ لا مهرب منه. بدأ بأنفاس دافئة وقبلات خفيفة تتسلل على ساقي، يصعد بها ببطء مقصود، وكأنه يتذوق الطريق قبل أن يبلغ غايته.
حين اقترب أكثر، صار يتعمد أن يترك أنفاسه تحترق على جلدي، مرة هنا ومرة هناك، بينما كنت أتشبث بالشراشف، أقاوم انزلاق آهاتي التي تثقل صدري. لكن مقاومتي كانت واهية… مجرد وهم.
شدني إليه أكثر، وأحاط خصري بكلتا يديه، ثم شعرت بلمسة خاطفة، جعلت جسدي ينتفض دون استئذان. خرجت مني آهة خافتة، رغماً عني. توقف أيمن لوهلة، فوضعت يدي على فمي محاولة كتم ما يتصاعد مني…
لكنه عاد، وبإصرار أشد.
كان الإيقاع يتغير، يعلو ويهدأ، يقترب ويبتعد، كأنه يعزف على توتري. بين لمسة وأخرى، كنت أذوب أكثر، أتلوى بلا وعي، وكل خلية في تستجيب لذلك الإحساس المشتعل.
خشونة لحيته كانت تلامس فخذي، تزيدني اضطرابًا، حتى وجدت نفسي أطبق ساقي حوله، أريده أن يبقى… أن لا يبتعد أبدًا.
وفجأة، تلاشى كل شيء من حولي. توترت أطرافي، تسارعت أنفاسي، وانقلب داخلي إلى موجة لا يمكن كبحها. غرست وجهي في الوسادة، وجسدي يرتجف تحت وطأة إحساسٍ جارِف… حتى انطلقت رعشة النهاية، صامتة ومكتملة.

الجزء الثاني

تركته ينهار خلفي، بينما بقي جاثيا على ركبتيه، يراقبني بعينين متقدتين، واللعاب يلمع عند شفتيه كمن خرج توا من عطش طويل. كانت نظراته تلاحقني برجاء جائع، تطلب المزيد… المزيد فقط.
وللحظة، راودتني رغبة خطيرة بأن أرحمه من هذا الاحتراق، أن أقترب، أن أطفئ النار التي أشعلتها بيدي داخل صدره… لكنني تراجعت.
انحنيت، التقطت الشورت من الأرض، وارتديته بسرعة مرتبكة، ثم اتجهت نحو الباب، تاركة أيمن خلفي ممددا على الأرض، كأنني نزعت منه شيئا لم يعد يعرف كيف يستعيده.
في صباح اليوم التالي، استيقظت ورأسي يكاد ينفجر من الصداع، كأنني قضيت الليل غارقة في سكر ثقيل لا أذكره. توجهت إلى المطبخ، أترقب استيقاظ أيمن لأرى وجهه… لأفهم ما الذي تغير بيننا.
حين خرج، كان وجهه متعبا ومتورما قليلا. تمتم بصباح الخير من دون أن يرفع عينيه نحوي.
تساءلت في داخلي: هل هو غاضب؟ أم نادم؟
والأغرب… لماذا لا أشعر أنا بالندم؟
لقد تجاوزنا كل الخطوط التي أقسمت يوما ألا أقترب منها، ومع ذلك لم يكن ضميري يصرخ… بل كان صامتا بشكل مخيف.
شربنا القهوة بصمت ثقيل، ثم بينما كنا نستعد للخروج إلى المكتب كعادتنا، قال فجأة:
ما رأيك أن تذهبي اليوم مع والدتك؟
رفعت عيني إليه باستغراب.
هل كان يحاول الابتعاد عما حدث ليلة البارحة؟
قلت: لماذا؟
أجاب بهدوء: لدي امتحان اليوم… ولا أريد أن أتركك وحدك.
ترددت لحظة، ثم قلت: يمكنك فقط أن توصلني.
هز رأسه: ـ نعم.
تابعت وأنا أحدق فيه: وستعود مساء لأخذي؟
أومأ مرة أخرى.
قلت بثبات متعمد: ـ إذن لا داعي لأن أذهب مع ماما.
لم يعلق، لكن صمته هذه المرة لم يكن عاديا… كان صمت رجل يحاول السيطرة على شيء ينفلت منه ببطء.
في المكتب، وبينما كنت غارقة في مراجعة إحدى القضايا، رن هاتفي.
كانت الشرطة.
أخبروني أنهم ألقوا القبض على الشخص الذي هددني، وطلبوا مني الحضور لتسجيل أقوالي مجددا.
أغلقت الهاتف، وبقيت للحظات أحدق في الفراغ.
هل كان علي أن أفرح؟ أم أحزن؟
شعرت براحة خفيفة، كأن حملا ثقيلا أزيح أخيرا عن صدري… لكن تلك النهاية كانت تعني شيئا آخر أيضا.
كانت تعني أن بإمكاني إرسال أمي مجددا إلى قطر… وهو أمر كنت أريده فعلا.
لكنها تعني كذلك أن السبب الوحيد لبقاء أيمن قريبا مني… قد انتهى.
وحتى لو افترضت أنه سيزورني أحيانا، كنت أعلم في قرارة نفسي أن ما بيننا لم يعد شيئا يمكن التحكم فيه بسهولة.
لا أنا… ولا هو.
الشيء الوحيد الذي كبحه البارحة كان وجود أمي في البيت.
أما الآن، فاختفاء ذلك الحاجز يعني شيئا واحدا فقط:
أنني… سأفقد السيطرة.
تمتمت داخلي بغيظ: تبا… تبا… تبا.
كنت أريده بجنون، لكنني في الوقت نفسه كنت خائفة من أن نكسر المزيد من الخطوط الحمراء. وأيمن… أيمن كان واضحا كالنار في عينيه؛ يريد المزيد، أكثر مما يقوله، وأكثر مما أعترف به لنفسي.
لكن هل كنت مستعدة فعلا لأن أمنحه ما يريد؟
ولأول مرة، قررت أن أحتفظ بكل ذلك لنفسي. ألا أخبر أحدا. أردت فقط أن أعيش هذا الجنون بصمتي… ولو قليلا.
في المساء، عدت إلى البيت، ثم تسللت على أطراف أصابعي نحو غرفته.
طرقت الباب بخفة، ثم دخلت.
وكما حدث في الليلة السابقة، ما إن رآني حتى نهض بسرعة واتجه نحوي، كأن وجودي وحده يشعل فيه شيئا لا يهدأ.
قلت ببرود متعمد: ـ جئت لأخذ شيئا نسيته هنا البارحة.
نظر إلي باستغراب: لم أر شيئا… لقد نظفت المكان صباحا.
قلت وأنا أتظاهر بالبحث: كنت متأكدة أنني كنت أرتدي كيلوت… لكن يبدو أنني غادرت بدونه.
انحنيت أفتش أسفل السرير، بينما كانت عيناه تلتهمانني ببطء مستفز، يتأملان كل حركة، وكل انحناءة.
رفعت رأسي بانزعاج: لماذا تضحك؟
قال ببساطة: لأنه عندي.
تجمدت للحظة، ثم قلت مباشرة: أعطني إياه.
هز رأسه رافضا، وعيناه تلمعان بتحد طفولي خطير: لا… احتفظت به كتذكار.
قلت بحدة: هل تظن أننا كنا في رحلة سياحية؟ أعطني إياه.
ابتسم باستمتاع واضح: سأعيده… بشرط.
ضيقت عيني: ما هو؟
قال فورا: قبلة.
ضحكت بسخرية: يبدو أنني سأضطر لتذكيرك كل ليلة أنك لن تحصل عليها… حتى في أحلامك.
قال بهدوء مستفز: إذن سيبقى عندي.
تنفست ببطء: إنها مجرد قطعة ملابس… ماذا ستفعل بها؟
اقترب أكثر، ثم خفض صوته: بعض الأشياء… قيمتها ليست فيها، بل في الأثر الذي تتركه.
شعرت بحرارة خفيفة تزحف إلى وجهي، مزيجا من الارتباك… والرغبة.
قلت محاولة استعادة السيطرة: أعطني إياه… وسأعطيك واحدة جديدة.
ضحك بخفة: ـ وما فائدتها؟ القيمة في الذكرى… لا في الشيء نفسه.
صمت لحظة، ثم قلت: لكنك كنت مستعدا للتخلي عنها مقابل قبلة.
اقترب أكثر هذه المرة، حتى شعرت بأنفاسه تلامس وجهي، وقال بنبرة أخفض: لأنني أفضل أن أصنع ذكرى جديدة… بدل أن أعيش على واحدة قديمة.
سقط الصمت بيننا كثيفا ومشحونا.
لم يكن مجرد صمت… بل لحظة معلقة، قابلة لأن تتحول إلى أي شيء.
وفي تلك اللحظة، لم أعد أعرف إن كنت أنا من يعبث بالنار…
أم أنني بدأت، دون أن أشعر، أقترب منها أكثر مما ينبغي.
وفجأة، جذبني نحوه بقوة أربكت أنفاسي، فسقطت على السرير. كانت يداه ترتجفان بشوق مكبوت، وعيناه تمتلئان بذلك الجوع نفسه الذي رأيته الليلة الماضية. انحنى نحوي يطبع قبلات متلاحقة على عنقي وكتفي، بلهفة رجل حاول طويلا أن يقاوم ثم استسلم أخيرا.
أما أنا… فكنت أذوب ببطء تحت ذلك الجنون، أتشبث بما تبقى من مقاومتي بينما جسدي يخونني ارتعاشا وأنفاسي تتسارع شيئا فشيئا… حتى شعرت أنني أفقد قدرتي على التفكير، وأغرق بالكامل في تلك اللحظة التي لم يعد فيها بيننا أي شيء يشبه الأخوة.

تكرر الأمر بعد ذلك مرات عديدة… تقريبا بالسيناريو نفسه، وبالحدود غير المعلنة ذاتها.
كان أيمن يقترب في كل مرة أكثر، يطلب بصمته ما يعجز عن قوله، ثم يتراجع أمام تمنعي… وكأن بيننا اتفاقا خفيا لا يجرؤ أي منا على كسره.
إلى أن جاء ذلك اليوم.
دخل المكتب، وبمجرد أن أغلق الباب خلفه، بدأ يقفله بإحكام… ثم اتجه نحو النافذة وأغلقها أيضا.
راقبته بصمت قبل أن أسأله بقلق: ماذا يحدث؟ هل هناك شيء؟
لم يجب.
اكتفى بإكمال ما بدأه، وكأنه يهيئ المكان لشيء لا يريد أن يقاطعه أحد.
اقترب من مكتبي، أدار الكرسي نحوه، ثم جلس مقابلي مباشرة.
نظر إلي طويلا قبل أن يقول: المكتب مغلق… أمك في البيت… ونحن وحدنا.
توقفت أنفاسي للحظة.
ماذا تريد؟
ابتسم، لكن ابتسامته هذه المرة لم تكن كسابقاتها.
رد : أريدك.
شددت نبرتي محاولة التماسك: أخبرتك… عليك أن تصبر.
مد يده وأمسك بيدي، ثم وضعها على زبه.
انتزعتها بسرعة وقلت بحدة: ماذا تفعل؟
نظر إلي باستغراب حقيقي وقال: لماذا تتعاملين معي وكأنني مرض معد؟… كأنني أتجاوز الحدود وحدي، وكل ما بيننا لم يكن موجودا؟
ارتبكت للحظة، لكنني تماسكت: لم أطلب منك شيئا… أنت من اخترت كل ذلك.
أجاب دون تردد: اخترته لأنني أردته… وأنت لم تمانعي.
ساد بيننا صمت قصير ومتوتر.
ثم قلت ببرود متعمد: نعم، لم أمانع… لكنني لم أعدك أبدا بأنك ستحصل على أي مقابل ..
ظل ينظر إلي وكأنه يحاول فهم شيء أعقد من الكلمات.
هل ما أطلبه مبالغ فيه؟
ولأنني كنت أريد إنهاء كل شيء قبل أن نفقد السيطرة تماما، قلت بقسوة: نعم… ومهما انتظرت، لن تحصل عليه.
تغيرت ملامحه ببطء، ثم قال بخيبة واضحة: كان يجب أن تكوني صريحة منذ البداية. اختبار صبري، ووضع الحواجز في طريقي… كان مجرد لعبة.
رفعت كتفي بلا مبالاة: ربما… وانطلت عليك.
هذه المرة لم يرد.
نهض بصمت… ثم خرج.
وفي طريق العودة، لم ينطق بكلمة واحدة.
كان الصمت بيننا أثقل من أي شجار.
حتى أثناء العشاء، بالكاد لمس طعامه.
وظننت… أنني أنهيت كل شيء.
استمر الوضع عدة أيام.
وكل صباح، كنت أتوقع ألا يعود… ألا أجده ينتظرني كالعادة. لكنني كنت أراه دائما هناك، يوصلني بصمت، يجيب باختصار وبرود، وكأن شيئا داخله انطفأ فجأة.
لكن في صباح اليوم الرابع، عاد وكأن شيئا لم يحدث.
كان يبتسم، يتحدث، يمازحني بخفة الأيام السابقة نفسها.
ولم أستطع منع نفسي من سؤاله ونحن في السيارة: هل انتهى الغضب؟
هز رأسه قائلا: لا… ما زلت غاضب.
نظرت إليه باستغراب: إذا أنت ممثل بارع… لتتصرف وكأن كل شيء طبيعي.
ابتسم بخفوت وقال: التمثيل، والألاعيب، والتخطيط… هذه أشياء تجيدينها أنت. أما أنا… فأتصرف بغريزتي فقط.
قلت: وإذا، ما الذي تغير؟
أجاب وهو ينظر إلى الطريق: فهمت.
ماذا فهمت؟
قال بهدوء: أنك تتعمدين إبعادي… رغم أنك تريدينني بالطريقة نفسها.
ابتسمت بسخرية خفيفة: يا لها من ثقة بالنفس… وما أروع هذا التحليل.
لكن في داخلي… كان هناك شيء آخر.
شيء يشبه الاعتراف الصامت بأنه لم يكن مخطئا تماما.
بل وأكثر من ذلك…
طريقته في كتم غضبه، وهدوؤه بعد كل ما حدث، وعدم تخليه عني رغم استفزازي له… كانت أكثر ما أربكني فيه.
ربما لم أكن أرفضه لأنه أخي… بل لأنني كنت أخشى صغر سنه، وأخشى اندفاعه وقلة نضجه.
لكنه فاجأني بصبره، وبقدرته على احتواء غضبه، والأهم… بتمسكه بمسؤوليته تجاهي رغم كل شيء.
وفي المساء، بينما كنت أنتظر اقتراب موعد مجيئه لأخذي من المكتب، شعرت أنني تعبت من المقاومة… من الخطط، والدلال، والألعاب الصغيرة التي أخوضها ضده وضد نفسي.
ولأول مرة، قررت أن أتوقف عن الهرب.
بمجرد أن دخل، طلبت منه أن يجلس على الكرسي.
فعل ذلك وهو يرمقني باستغراب واضح.
ثم أغلقت الباب… والنافذة… كما فعل هو تماما في ذلك اليوم.
التفت إليه ببطء.
هذه المرة… لم أكن أنا من تتراجع.
بل كنت أقترب.
اقتربت حتى وقفت أمامه مباشرة، ثم وضعت يدي على صدره، أشعر بتسارع أنفاسه تحت أصابعي.
كانت عيناه تراقبانني بترقب جائع، وكأنه غير مصدق أنني أخيرا توقفت عن الفرار.
مررت أصابعي ببطء على عنقه، ثم قربت شفتي من أذنه وهمست: لا تجعلني أندم.
اقتربت منه ببطء، حتى صار نفسي يلامس وجهه. كنت أنوي أن أقبله، لكن استسلامه السريع، وإغماضه لعينيه بذلك اليقين الواثق، أيقظ داخلي رغبة أخرى… رغبة في استفزازه.
في اللحظة الأخيرة، انحرفت شفتي عن فمه، واستقرت على خده، بينما تعمدت أن تلامس أطراف شفتي زاوية فمه لمسة خاطفة، بالكاد حدثت… لكنها كانت كافية لتشعل عينيه حين فتحهما فجأة.
فتح عينيه فجأة، وبدت عليه رغبة بالاندفاع نحوي، لكني دفعته برفق إلى الخلف، ثم هويت ببطء إلى الأسفل حتى استقريت راكعة بين ساقيه، بينما ظل هو جالسًا يراقبني بنظرات مشتعلة.
ابتسمت وأنا أتنهد بخفة، كأنني أتلذذ بتلك السلطة الغريبة التي امتلكتها عليه في تلك اللحظة.
كانت يداه تقبضان على طرفي الكرسي بقوة، وصدره يعلو ويهبط بإيقاع متوتر، بينما كنت أمعن في استفزازه بحركات متأنية ومدروسة. وكلما اقتربت من زبه أكثر، ازداد اضطرابه وضوحًا، حتى صار كمن يقاوم نفسه بصعوبة.
فتحت السروال و دون أن أتكلم رفع خصره بينما نزعت عنه ملابسه في تناغم كبير بيننا، وقف زبه منتصب متصلب، فرحت أمد يدي أمسكه ..
كان التناقض بيننا مستفزًا بصورة فاتنة، لون بشرته الداكن إلى جانب بياض يدي، صلابته المتوترة أمام هدوئي المتعمد، ونظراته الحادة التي لم تفارق عيني لحظة واحدة.
ومع كل لمسة و نظرة، بدأت حرارة اللحظة تتصاعد بيننا بشكل أفقدني الإحساس بكل شيء آخر. رحت أطبع القبلة بعد القبلة على ذلك الزب و كاني أمتلكه،شعرت بنشوة غريبة تنبض في داخلي، فرحا أتمدى و أدخلته في فمي .. مرة لا بل مرتين لا بل عديد المرات، كنت أدفعه في كل مرة لاعمق مكان في فمي بينما بينما اخرجه يتقاطر باللعاب ..
وحين شعرت بأن أيمن بدأ يفقد سيطرته، ابتعدت قليلًا ألتقط أنفاسي وقلت بصوت متقطع: إياك أن تقذف في فمي…
لكنه لم يجبني إلا بنظرة حادة وصوت منخفض يحمل أمرًا أكثر مما يحمل رجاءً: استمري..
قلت أنا أحذرك ستكون اخر م..
قاطعني و قال بصوت حاد مرة أخرى استمري و دفع رأسي نحو زبه
كانت لهجته وحدها كافية لترسل رعشة في جسدي. و استمريت في استفزاز رجولته بلساني حتى شعرت به يتصلب، حاولت التراجع للحظة، لكنه وقف و أمسك بكتفي بثبات، و راح يقذف كأن كل ما بداخله قد انفلت دفعة واحدة.
ارتمى بعدها على الكرسي، يتنفس بصعوبة وكأنه خرج لتوه من معركة طويلة، بينما انسحبت أنا نحو الحمام بخطوات بطيئة.
وقفت أمام المرآة أتأمل انعكاسي بصمت. كان وجهي يحمل آثار تلك الفوضى بكل وضوح، كنت غارقة في المني، وجهي و شعري و ملابسي لكن الغريب أنني لم أشعر بالخجل.
على العكس تمامًا…
كانت هناك ابتسامة خافتة ترتسم على شفتي، ورضا غامض يغمرني.
بمجرد أن وصلنا إلى البيت، قفزت أمي نحوي تعانقني وتقبلني بحرارة، كأنها لم ترني منذ زمن طويل.
لكنني، رغم أنني غسلت جيدا و جددت عطري، كنت لا أزال أشعر بأن رائحة المني و العهر تخرج مني…و خفت أن تلتقط أمي شيئا من تلك الرائحة، فدفعتها برفق عني وأنا أحاول أن أبدو طبيعية.
نظرت إلي باستغراب، ثم قالت بفرح واضح: كيف لا أفرح وقد قبضوا عليه؟
تجمدت لحظة.
لقد سمعت الخبر… لكنني لم أخبرها ؟!
عادت لتعانقني من جديد، بينما كنت ألتفت نحو أيمن. لم يكن متفاجئا، وكأن الأمر كان معروفا له مسبقا.
دخلت غرفتي، استحميت، ثم تناولت العشاء بصمت.
لكن في طريق العودة إلى غرفتي، شعرت بنبض في مهبلي، فقررت بأنني أريد مكافأتي..
توجهت إلى غرفة أيمن ودخلت دون تردد.
كان يجلس، لكنه لم ينهض نحوي هذه المرة بنفس الحماس المعتاد.
رفعت حاجبي: أليس من المفترض أنك لم تعد غاضبا مني؟
اقترب بسرعة، لف ذراعيه حول مؤخرتي ورفعني فجأة.
دفعته بخفة وقلت: أتركني.
نظر إلي باستغراب.
قلت وأنا أضيق عيني: أعلم أنك تتعمد هذه الحركة فقط لتلمس مؤخرتي..
انفجر ضاحكا، بينما حاولت إسكات ضحكته بيدي.
قال وهو يبتسم: وما الذي تفعلينه في غرفتي إذا كنت تخافين مني هكذا؟
تجمدت لحظة، ثم ابتعدت عنه ورميت نفسي على السرير، أمددت جسدي بإرهاق مفتعل: أريد أن تريحني.
رفع حاجبه بسخرية: تريدين مقابلا؟
هززت رأسي.
اقترب خطوة، وقال بنبرة أهدأ: وهل وعدتك يوما بشيء؟
بدأ صبري ينفد: تعال بسرعة ولا تستفزني.
ابتسم ابتسامة قصيرة وقال: سأجعلك تتذوقين ما كنت أشعر به في الأيام الماضية.
سكت.
لم يتحرك.. و كأنه يصر على موقفه.
نهضت ببطء وخرجت، وشيء من خيبتي يرافقني، وحرارة غضب في صدري ..
مرت دقائق..و بعد أن فقدت الأمل منه أدخلت يدي في سروالي أحاول إخماد تلك النار التي تأكلني.
لكن فجأة دق باب غرفتي بهدوء.
لم أجب..و تظاهرت بنوم.
فتح الباب ببطء.
لكنني كنت أعلم أنه يعرف أنني لا أنام.
اقترب من السرير، وانحنى قرب رأسي، يمرر أصابعه في شعري بهدوء.
همس: هل أنت نائمة؟
لم أجب.
ابتسم، ثم قال بصوت أخف: جيد… إذن سأحصل على قبلتي.
شعرت بأنفاسه تقترب.
وفي اللحظة الأخيرة، دفعته عني بسرعة.
انفجر ضاحكا، ضحكة قصيرة ممتلئة بتلك الخفة التي كانت تثير أعصابي بقدر ما تربكني.
قلت بغضب، وأنا أهمس بخوف من أن تسمع أمي: ماذا تفعل هنا؟
قال بهدوء، كأنه لا يرى في وجوده أي خطأ: لست أنانيا مثلك… لا أستطيع أن أنام وأنا أعرف أنك تتقلبين من شدة الشهوة.
رمقته بحدة: يا لها من ثقة بالنفس… وتظن أنني سأسمح لك أن تقترب مني؟
لم يجب.
اقترب فقط، ومد يده يسحب الغطاء عني برفق، كأنه يفرض حضوره دون استئذان. جلست متجمدة للحظة، بين رفض يتآكل وبصمت لا يقاوم حضوره.
اقترب أكثر، حتى تلاشت المسافة بيننا تماما، غرس راسه بين ساقي و راح يعزف على اوتار شهوتي بلسانه.
بقيت ساكنة، أتنفس بصعوبة، وكأن شيئا داخلي استسلم قبل جسدي.
وبعد لحظات، انخفض توتره تدريجيا، كأن تلك النار التي كان بداخلي قد هدأت بعد أن اشتدت..
و بيننا توقعت مغادرته، اقترب أكثر، ثم ارتمى إلى جانبي، لا فوقي ولا بعيدا عني، مجرد وجود قريب يلغى المسافة.
قلت بصوت خافت: اذهب إلى غرفتك…
أجاب وهو لا يتحرك: لا أستطيع.
سكت لحظة، ثم أضفت بصوت أهدأ: يمكنك البقاء قليلا…
لم يقل شيئا.
لكن ذراعه شدت حولي أكثر، لا كقيد، بل كطمأنينة ثقيلة تربكني أكثر مما تطمئنني.
وضعت رأسي على صدره دون أن أفكر، كأن جسدي سبقني إلى القرار، واستسلمت لذلك الصمت الذي لم أعد أعرف إن كان راحة… أم بداية شيء أعمق مما أستوعب.
وفي تلك اللحظة، لم يعد هناك صراع واضح بيننا، كان فقط هدوء غريب.
 
مواضيع مشابهة الاكثر مشاهدة عرض المزيد
عودة
أعلى أسفل
XenForo Plugin by R10DEV.NET