- نقاطي
- 0
أسماء... وظلال الحب الحزين
البداية
كانت الطفلة "أسماء" تحدّق في السقف المتهالك لغرفتها، بينما تتسلل قطرات المطر من الثقوب وتهمس في أذنها بلحنٍ كئيب. منذ سنواتها الخمس الأولى، خذلتها الحياة. تُوفيت والدتها بعد صراع مرير مع المرض، ولم يكد الحزن يجفّ من عينيها حتى داهمهم خبر مقتل والدها في حادث سير غامض، تُركت بعده وحيدة مع جدتها في بيتٍ صغير مُتهالك في أحد أحياء المدينة الشعبية.
عاشت أسماء طفولتها تحمل عبء الكبار. لم تكن تلعب مثل من في سنّها، بل كانت تقضي وقتها تُنظف، تطبخ، وتعتني بجدتها التي أنهكها المرض. لكنها لم تشتكِ قط. كانت تنظر إلى السماء كثيرًا، تسألها بصمت: "هل من أحد يسمعني؟"
في ظل الوحدة
كبرت أسماء وصارت فتاة في العشرين من عمرها. جمالها لم يكن صاخبًا، لكنه كان هادئًا، ناعمًا، مثل صوت المطر. عيناها سوداوان كحبر الليل، فيهما حزنٌ مقيم لا يُفارق. كانت منطوية، تهرب من العالم إلى الكتب، تقضي ساعاتٍ في المكتبة العامة، تقرأ في الأدب، الفلسفة، وحتى الروايات الرومانسية التي كانت تراها مستحيلة في عالمها البارد.
كانت تتخيل كثيرًا، تحلم أن تجد من يُحبها، من يحتويها، من يملأ الفراغ الكبير في قلبها… لكنها لم تكن تجرؤ على الاعتراف بذلك حتى لنفسها.
الرجل الغريب
وفي أحد أيام الشتاء، وبين رفوف الكتب، التقت به.
شاب طويل، ملامحه هادئة، يحمل كتابًا عن الوجودية في يده. كان أول من يلتفت لها ويبتسم. نظر إليها بعينيه العسليتين وقال:
– "هل تحبين سارتر؟"
تفاجأت أسماء، ثم ابتسمت بخجل وردّت:
– "أحيانًا… ولكن دوستويفسكي يلمسني أكثر."
ضحك وقال:
– "إذًا أنتِ عميقة."
عرّف نفسه: إياد، مهندس معماري، يعشق الأدب والفلسفة. ومنذ ذلك اليوم، أصبح اللقاء بينهما أسبوعيًا، ثم يوميًا، في نفس الزاوية من المكتبة.
الحب ينمو بصمت
مرّت الأسابيع، وبدأت أسماء تُزهر.
كانت تستيقظ بشغف، تلبس ثيابها البسيطة وكأنها أميرة ذاهبة إلى حفلة ملكية، كل ذلك فقط من أجل أن تراه. كانت تستمع إلى كلماته كمن يستمع إلى أغنية طال انتظارها. هو لم يكن يعلم، لكنها كانت تقع في حبّه شيئًا فشيئًا.
تخيلت معه كل شيء... أن يمسك يدها، أن يُمسك دمعتها، أن يعدها أن تبقى حياته. كانت تخاف أن تُفسد كل شيء لو اعترفت، فظلت تكتم الحب كسرٍ بين ضلوعها.
أما إياد، فكان يعاملها بلطفٍ عظيم، لكن بطريقة من لا يشعر... أو يتجاهل أن يشعر.
الهاوية
في أحد اللقاءات، بدا إياد شاردًا، صوته منخفض، ملامحه متوترة.
قال لها بعد صمتٍ طويل:
– "أسماء، لازم أحكيلك حاجة... أنا مسافر خلال أسبوع. الشركة رشحتني لفرصة شغل في دبي."
حاولت أن تبتسم، لكن الشك بدأ ينهش قلبها. سألته بصوتٍ خافت:
– "و... هل ستعود؟"
أطرق برأسه، ثم قال:
– "مش متأكد... وبصراحة، أنا كمان خاطب. من سنة تقريبًا."
صمتٌ مروع.
أحست كأن الكون توقف عن الدوران. كل شيء حولها صار باهتًا. فقط صوت دقات قلبها المرتبكة كان يسمع داخلها.
ابتسمت مجبرة وقالت:
– "مبروك يا إياد... بتستاهل كل خير."
وغادر.
الانهيار الصامت
عادت أسماء إلى المنزل والدموع تملأ عينيها، لكنها لم تُظهر شيئًا لجدتها. نامت تلك الليلة دون أن تغمض عينيها، تحاول أن تفهم… أكان كل شيء مجرد وهم؟ أم أنها أحبّت وحدها؟
مرت الأيام ثقيلة. لم تعد تذهب إلى المكتبة، لم تعد تفتح كتبها، حتى الهواء بات ثقيلًا عليها.
كانت تكتب في دفترها بصمت:
"أنا فقط أحببته، لم أطلب شيئًا… لماذا الألم هو حصتي من كل شيء؟"
لم تكن تشكو لأحد، كانت تتكلم مع الفراغ… مع نفسها.
رسائل لم تُرسل
كتبت رسائل كثيرة له… لكنها لم تُرسلها أبدًا.
رسالة تقول له:
"كنت أراك نجاتي من كل شيء، فصرتَ غرقًا.
وأخرى:
"ما أوجع الحب عندما يأتي متأخرًا… أو لا يأتي أبدًا."
وفي كل ليلة، كانت تكتب وترمي الورقة، وكأنها تحاول إخراج حبها بالحبر لتبقي قلبها نظيفًا… لكن القلب رفض النسيان.
الوداع الخفي
مرّ عام. لم يعد إياد، ولم يكتب لها. ربما نسي، ربما كان مشغولًا… لكنها لم تنسه.
صارت شاحبة الوجه، تتحدث قليلًا، تبتسم أقل. جدتها كانت تلاحظ، تحاول أن تسأل، لكن أسماء كانت تجيب دومًا:
– "أنا بخير يا تيتة، بس شوية تعب."
لكنها لم تكن متعبة فقط، كانت تنزف من الداخل.
وذات ليلة باردة، كتبت في دفترها:
"مش قادره أعيش، مش قادرة أضحك، مش قادرة أكمل… الحب قتلني بصمت."
وضعت رأسها على الوسادة، وأغمضت عينيها، و... نامت.
الرحيل
في الصباح، نادت الجدة أسماء كي تُحضر لها الدواء، لكنها لم تجب.
دخلت الغرفة، فوجدتها هادئة، ممددة، يديها على صدرها، وعلى صدرها دفتر مفتوح على آخر صفحة، مكتوب فيها:
"لا تخافوا من موتي... لقد ارتحت."
صرخت الجدة، لكنها كانت قد رحلت... دون صوت، دون وداع.
الحب الذي قتل
دُفنت أسماء في جنازة هادئة. لم يعلم أحد قصتها. الجدة فقط كانت تبكي وتقول:
– "كانت أطيب من عرفت، ولكنها أحبت بصدق... وماتت من الحُب."
أما إياد، فقد عاد بعد عامين، مرّ صدفة أمام المكتبة، وتذكر تلك الفتاة ذات العينين الحزينتين، سأل عنها المكتبية، فقالت له:
– "أسماء؟ ماتت... من سنتين تقريبًا."
تجمد في مكانه. جلس على نفس الطاولة، نظر إلى الكرسي الفارغ، ووضع رأسه عليه وبكى… بعد فوات الأوان.
البداية
كانت الطفلة "أسماء" تحدّق في السقف المتهالك لغرفتها، بينما تتسلل قطرات المطر من الثقوب وتهمس في أذنها بلحنٍ كئيب. منذ سنواتها الخمس الأولى، خذلتها الحياة. تُوفيت والدتها بعد صراع مرير مع المرض، ولم يكد الحزن يجفّ من عينيها حتى داهمهم خبر مقتل والدها في حادث سير غامض، تُركت بعده وحيدة مع جدتها في بيتٍ صغير مُتهالك في أحد أحياء المدينة الشعبية.
عاشت أسماء طفولتها تحمل عبء الكبار. لم تكن تلعب مثل من في سنّها، بل كانت تقضي وقتها تُنظف، تطبخ، وتعتني بجدتها التي أنهكها المرض. لكنها لم تشتكِ قط. كانت تنظر إلى السماء كثيرًا، تسألها بصمت: "هل من أحد يسمعني؟"
في ظل الوحدة
كبرت أسماء وصارت فتاة في العشرين من عمرها. جمالها لم يكن صاخبًا، لكنه كان هادئًا، ناعمًا، مثل صوت المطر. عيناها سوداوان كحبر الليل، فيهما حزنٌ مقيم لا يُفارق. كانت منطوية، تهرب من العالم إلى الكتب، تقضي ساعاتٍ في المكتبة العامة، تقرأ في الأدب، الفلسفة، وحتى الروايات الرومانسية التي كانت تراها مستحيلة في عالمها البارد.
كانت تتخيل كثيرًا، تحلم أن تجد من يُحبها، من يحتويها، من يملأ الفراغ الكبير في قلبها… لكنها لم تكن تجرؤ على الاعتراف بذلك حتى لنفسها.
الرجل الغريب
وفي أحد أيام الشتاء، وبين رفوف الكتب، التقت به.
شاب طويل، ملامحه هادئة، يحمل كتابًا عن الوجودية في يده. كان أول من يلتفت لها ويبتسم. نظر إليها بعينيه العسليتين وقال:
– "هل تحبين سارتر؟"
تفاجأت أسماء، ثم ابتسمت بخجل وردّت:
– "أحيانًا… ولكن دوستويفسكي يلمسني أكثر."
ضحك وقال:
– "إذًا أنتِ عميقة."
عرّف نفسه: إياد، مهندس معماري، يعشق الأدب والفلسفة. ومنذ ذلك اليوم، أصبح اللقاء بينهما أسبوعيًا، ثم يوميًا، في نفس الزاوية من المكتبة.
الحب ينمو بصمت
مرّت الأسابيع، وبدأت أسماء تُزهر.
كانت تستيقظ بشغف، تلبس ثيابها البسيطة وكأنها أميرة ذاهبة إلى حفلة ملكية، كل ذلك فقط من أجل أن تراه. كانت تستمع إلى كلماته كمن يستمع إلى أغنية طال انتظارها. هو لم يكن يعلم، لكنها كانت تقع في حبّه شيئًا فشيئًا.
تخيلت معه كل شيء... أن يمسك يدها، أن يُمسك دمعتها، أن يعدها أن تبقى حياته. كانت تخاف أن تُفسد كل شيء لو اعترفت، فظلت تكتم الحب كسرٍ بين ضلوعها.
أما إياد، فكان يعاملها بلطفٍ عظيم، لكن بطريقة من لا يشعر... أو يتجاهل أن يشعر.
الهاوية
في أحد اللقاءات، بدا إياد شاردًا، صوته منخفض، ملامحه متوترة.
قال لها بعد صمتٍ طويل:
– "أسماء، لازم أحكيلك حاجة... أنا مسافر خلال أسبوع. الشركة رشحتني لفرصة شغل في دبي."
حاولت أن تبتسم، لكن الشك بدأ ينهش قلبها. سألته بصوتٍ خافت:
– "و... هل ستعود؟"
أطرق برأسه، ثم قال:
– "مش متأكد... وبصراحة، أنا كمان خاطب. من سنة تقريبًا."
صمتٌ مروع.
أحست كأن الكون توقف عن الدوران. كل شيء حولها صار باهتًا. فقط صوت دقات قلبها المرتبكة كان يسمع داخلها.
ابتسمت مجبرة وقالت:
– "مبروك يا إياد... بتستاهل كل خير."
وغادر.
الانهيار الصامت
عادت أسماء إلى المنزل والدموع تملأ عينيها، لكنها لم تُظهر شيئًا لجدتها. نامت تلك الليلة دون أن تغمض عينيها، تحاول أن تفهم… أكان كل شيء مجرد وهم؟ أم أنها أحبّت وحدها؟
مرت الأيام ثقيلة. لم تعد تذهب إلى المكتبة، لم تعد تفتح كتبها، حتى الهواء بات ثقيلًا عليها.
كانت تكتب في دفترها بصمت:
"أنا فقط أحببته، لم أطلب شيئًا… لماذا الألم هو حصتي من كل شيء؟"
لم تكن تشكو لأحد، كانت تتكلم مع الفراغ… مع نفسها.
رسائل لم تُرسل
كتبت رسائل كثيرة له… لكنها لم تُرسلها أبدًا.
رسالة تقول له:
"كنت أراك نجاتي من كل شيء، فصرتَ غرقًا.
وأخرى:
"ما أوجع الحب عندما يأتي متأخرًا… أو لا يأتي أبدًا."
وفي كل ليلة، كانت تكتب وترمي الورقة، وكأنها تحاول إخراج حبها بالحبر لتبقي قلبها نظيفًا… لكن القلب رفض النسيان.
الوداع الخفي
مرّ عام. لم يعد إياد، ولم يكتب لها. ربما نسي، ربما كان مشغولًا… لكنها لم تنسه.
صارت شاحبة الوجه، تتحدث قليلًا، تبتسم أقل. جدتها كانت تلاحظ، تحاول أن تسأل، لكن أسماء كانت تجيب دومًا:
– "أنا بخير يا تيتة، بس شوية تعب."
لكنها لم تكن متعبة فقط، كانت تنزف من الداخل.
وذات ليلة باردة، كتبت في دفترها:
"مش قادره أعيش، مش قادرة أضحك، مش قادرة أكمل… الحب قتلني بصمت."
وضعت رأسها على الوسادة، وأغمضت عينيها، و... نامت.
الرحيل
في الصباح، نادت الجدة أسماء كي تُحضر لها الدواء، لكنها لم تجب.
دخلت الغرفة، فوجدتها هادئة، ممددة، يديها على صدرها، وعلى صدرها دفتر مفتوح على آخر صفحة، مكتوب فيها:
"لا تخافوا من موتي... لقد ارتحت."
صرخت الجدة، لكنها كانت قد رحلت... دون صوت، دون وداع.
الحب الذي قتل
دُفنت أسماء في جنازة هادئة. لم يعلم أحد قصتها. الجدة فقط كانت تبكي وتقول:
– "كانت أطيب من عرفت، ولكنها أحبت بصدق... وماتت من الحُب."
أما إياد، فقد عاد بعد عامين، مرّ صدفة أمام المكتبة، وتذكر تلك الفتاة ذات العينين الحزينتين، سأل عنها المكتبية، فقالت له:
– "أسماء؟ ماتت... من سنتين تقريبًا."
تجمد في مكانه. جلس على نفس الطاولة، نظر إلى الكرسي الفارغ، ووضع رأسه عليه وبكى… بعد فوات الأوان.